!!! جواز الحزب الوطني من مصر باطل

.

جواز الحزب الوطني من مصر باطل !!!ء

كم كان عبقريا و فذا ذلكم المشهد الختامي لفيلم (شيء من الخوف) , وكم أبدع فيه القائمون عليه تصويرا وإخراجا وتمثيلا , وكم كان مهيبا ورائعا هذا الشيخ الجليل بلباسه الأزهري وهو يحمل جثة ولده على يده في مشهد بالغ الدلالة والرمزية في آن , يهتف والناس من خلفه يهتفون ثائرين في وجه الظلم والقهر والطغيان .... باطل .... باطل ... باطل ... باطل . هذا المشهد يصور و بعبقرية فذة طبيعة هذا الشعب المثابر الصابر حين ينفذ صبره , ويضيق صدر أبنائه بالظلم والقهر, فلا تستطيع قوة في الأرض مهما كان جبروتها أن توقف طوفان غضبه , أو تخمد جذوة نار الثورة في صدور أبنائه الأحرار , مهما طال ليل القهر والبغي.ء
ولقد وجدتني وهذا المشهد لا يكاد يفارق عيناي في إلحاح عجيب , فلقد طال ليل الظلم , وساد الفقر والجوع والمرض , و لا يكاد الإنسان يفيق من هول صدمة حتى تفجعه أخرى , وما تلبث أن تنتهي أزمة حتى تبدأ خيوط أزمة جديدة في التشكل , وهكذا تتوالى المصائب والكوارث تترى , حتى أن العقل أصبح عاجزا لا يقدر على الفهم , فما يجري على أرض المحروسة يجعل الحليم حيرانا.ء
وسط هذا الخضم الهائل والتلاحق العجيب لهذه الأمواج من الكوارث والمصائب , أجدني – شأني في ذلك شأن كل مصري غيور- أجدني أسائل نفسي : إلى أين يسير بنا أهل الحكم في بلادنا ؟!!! وأي مصير ينتظر أبناءنا وبناتنا ؟. وماذا ينتظرنا عند الطرف الآخر من النفق المظلم الذي قادنا عباقرة الحزب الوطني إليه ؟!!!. الحال لا يخفى على أحد , فالسوء ظاهر للعيان , و الخوف من المجهول صار سيد الموقف . لقد ضرب الفساد أطنابه في كل مناحي الحياة في مصر , بل أصبح هو الأصل , وصار استثناء أن تجد بقعة لا يعشش فيها الفساد , أولا تنتشر فيها الرشوة و يغيب عنها القانون , و لقد أصبح المصريون غرباء في دارهم , وتقطعت الأوصال بين الوطن وأبنائه , ونجح هؤلاء العباقرة فيما أخفقت فيه جحافل الغزاة والمعتدين على مر العصور, فقد قطعوا الرحم بين مصر وأبنائها , ولقد كان إيمان البحر درويش متفوقا على نفسه وهو يشدو حزينا ... يا بلدنا يا بلد .. هو من إمتى الولد .. بيخاف من أمه .. لما في الضلمة تضمه .. صدقيني .. خفت منك .. صدقيني .ء
ذات يوم كان عندنا ما نسميه انتماء , وكنا نسمع عن شيء اسمه الوطنية وكانت هناك دولة ووطن , ثم أصبح هذا كله من قبيل الذكريات التي يتباكى علي أطلالها الرجعيون من أمثالي , كانت هذه الكلمات يوما ما من قبيل المسلمات والبديهيات في حياتنا , ثم ها نحن في حاجة لإعادة تعريفها واكتشاف مدلولاتها من جديد , ما الوطن ؟ ومن هو المواطن ؟ وما هي الدولة ؟ و كيف تكون العلاقة بينها وبين المواطن ؟ وما واجبات وحقوق كل منهما تجاه الطرف الآخر؟ و إذا ما أجابنا فقهاء القانون والدستور على هذا كله يبقى سؤال , وأحسب أنه سؤال الساعة : هل نحن حقا مواطنون ؟!!! وهل نحن حقا نعيش في دولة ؟!!!.ء
الإجابة على هذا السؤال قابعة هناك .. في قاع البحر الأحمر.. مع أرواح الضحايا الأبرياء .. مع شهداء عبارة الموت , مئات من الشباب والرجال والنساء والأطفال , قُتلوا بغير ذنب جنوه إلا أنهم مصريون , نعم هذا كان ذنبهم !!! لقد هربوا من جحيم البطالة والفقر بحثا عن لقمة العيش , ثم عادوا لتتلقفهم الأمواج , لا أقول أمواج البحر , بل أمواج الفساد والإهمال والرشوة والمحسوبية , لقد قتلهم – مع سبق الإصرار والترصد – هؤلاء العباقرة الذين حولوا مصر إلى (عزبة) !! يفعلون فيها مايشاؤون دون وازع من ضمير أو خوف من حساب .ء
الإجابة على هذا السؤال نجدها عند آلاف الأسر التي شُرِدت لتسريح عائلها المفصول من شركة باعتها الحكومة في هذه المهزلة الكبرى المسماة ببيع شركات القطاع العام , وهي في الحقيقة مزاد (سري) لبيع مصر وخيراتها وثرواتها , وأنا هنا أطالب المسؤولين عن هذا الملف أن يقدموا للشعب - وهو صاحب الحق الأصيل في هذا – كشف حساب كامل لهذا الموضوع منذ بدأ التفكير في البيع حتى هذه اللحظة .. عليهم أن يجيبونا : من الذي باع ؟ ومن الذي اشترى ؟ ومن حدد الثمن ؟ ماذا تم بيعه وماذا تبقى ؟ ثم وبتعبير أبناء البلد الطيبين : فين الفلوس؟ لم تُسدد الديون , ومازالت جيوش العاطلين تملأ الشوارع , ولم نر أثرا لتحسن في الاقتصاد القومي , بل كل المؤشرات تدل على عكس ذلك تماما , وهكذا نجد أنفسنا وجها لوجه مع هذا السؤال : فين الفلوس ؟ في حدود معلوماتي الضيقة – وأنا لست خبيرا اقتصاديا - أن القيمة الدفترية للقطاع العام وقت فتح هذا الملف , أي منذ ما يقرب من عشرين عاما أو يزيد , كانت تزيد عن الثلاثمائة مليار جنيه !!! حيث كان الدولار في هذا الوقت مساويا للجنيه أو يزيد عنه قليلا , ومن أعجب ما سمعت في هذا المقام , ما سمعته من وزير الاستثمار الحالي , حين سُئِل عن بعض القضايا المتعلقة بهذا الموضوع , فقد كانت إجابة سعادته أن هذا تم في عهد الوزير السابق ولا يُسأل هو – أي الوزير الحالي- عن ذلك !!! أجيبوني بالله عليكم : هل نحن حقا نعيش في دولة ؟! .ء
الإجابة على هذا السؤال نجدها عند آلاف الأسر المكلومة في مأساة قضية شركات توظيف الأموال , هل يتصور عاقل أن كثيرا من المودعين لم يستردوا أموالهم حتى الآن ؟ إن ما قلناه في بيع القطاع العام نقوله هنا , بل لا أبالغ إذا قلت إنني على يقين بأنها قضية واحدة , وأحسب أن ضرب هذه الشركات كان الفصل الأول في قصة بيع القطاع العام !!! . وأرجو من القارئ الكريم أن يعود بذاكرته إلى الوراء قليلا ويسأل نفسه : هل كانت مصادفة أن يكون الفاصل الزمني أسابيع قليلة بين ضرب هذه الشركات والبدء في الحديث عن بيع القطاع العام ؟ لقد كانت هذه الشركات تعمل علانية , وليل نهار تعلن عن أنشطتها في أجهزة الإعلام الحكومية و لسنوات طويلة , بل رأينا جميعا السيد رئيس الجمهورية وهو يبارك أنشطة بعض هذه الشركات . ثم في غمضة عين اكتشفت الحكومة أن هذه الشركات غير قانونية وتخرب الاقتصاد القومي !!! في حدود علمي أن الوحي قد انقطع منذ وفاة الرسول (ص), إذن ماذا حدث ؟ فجأة تنبهت الحكومة ورفعت شعار المحافظة على أموال المودعين , ولقد ظللت لسنوات عديدة لا أفهم هذا الشعار , فكل ما كانت تفعله الحكومة لا يؤدي إلى ذلك – في حدود فهمي القاصر- ولكني أدركت أخيرا مقصد الحكومة , فلقد حافظت الحكومة على أموال المودعين بحمايتها من أن تصل إليها أيدي المودعين أنفسهم !!!. مرة أخرى أجيبوني بالله عليكم : هل نحن حقا مواطنون ؟ وهل نحن حقا نعيش في دولة ؟
ما ذكرته ليس إلا غيض من فيض , فالمقام لا يتسع لكثير من التفصيل . ومع ذلك نجد أهل الحكم في بلادنا لايكفون عن الكذب على الناس وتزييف الحقائق وتسويق الوهم لهم , حتى إنني خِلْت يوما أنهم يصدقون أنفسهم ... فالحياة لونها بمبي , والناس في عيش رغيد , والوظائف محجوزة من الآن لأحفادنا , والذي لا يجد رغيف الخبز ثم يشتكي الجوع غاوي نكد فأمامه البسكويت و الجاتوه , وماذا تفعل له الحكومة إذا كان غاوي فقر؟.ء
إن العدل منتشر بين الناس ولا يوجد فرق بين الحاكم والمحكوم إلا حرف الواو , و الحرية ترفرف على الجميع , ولا وجود للمعتقلات إلا في أذهان المغرضين من أمثالي , أما الآلاف الذين تتحدث عنهم الصحف فقد ذهبوا إلى هناك بمحض إرادتهم للنزهة وتغيير الجو , لأنهم ملٌّوا رتابة العيش !!!.ء
إن المتتبع لأحاديث هؤلاء لا يساوره شك في أنهم يتحدثون عن مصر أخرى غير التي نعرفها ونعيش فوق ترابها , ويعجب الإنسان أشد العجب من قدرتهم الفائقة على تنميق الكلام وترديده دون كلل أو ملل. ولا أجد أبلغ من كلمات أحمد مطر في وصف هؤلاء حيث يقول :-
وجوهكم أقنعة بالغة المرونة ...ء
طلاؤها حصافة وقعرها رعونة ...ء
صفق إبليس مندهشا لها, وباعكم فنونه ... ء
وقال : إني راحل .. ماعاد لي دور هنا
دوري أنا ... أنتم ستلعبونه
ولهؤلاء أقول : لايغرنكم صبر الشعب عليكم , فمهما طال سواد الليل فان الفجر لابد آت آت , وهاأنا ذا أرى في الأفق ذلك الشيخ الجليل وخلفه المخلصين من أبناء المحروسة مرددين ..... جواز الحزب الوطني من مصر باطل ...... باطل ...... باطل ..... باطل ..... باطل .ء

دعوة لتطبيع العلاقات

.. ....

أدعو الأمة إلى تطبيع العلاقة مع كل أحد إلا الشيطان وإسرائيل ، نحن بحاجة إلى تطبيع العلاقة بين الحاكم والمحكوم , والرئيس والمرؤوس , والأستاذ والطالب , والأب والابن , والزوج والزوجة، نحن نفتقر إلى مصالحة اجتماعية وميثاق شرف أخوي يكون أصلا للتفاهم في ما بيننا ؛ لأن في الأمة صراعات فكرية وحزبية ومذهبية وقبلية وجهوية، حدثت يوم نسيت الأمة رسالتها الربانية العالمية.. رسالة الإيمان، فالحكام يوجهون اللوم للشعوب في الخروج على الطاعة وإثارة الفتن والشغب ، والشعوب ترى أن الحكام أهل استبداد وقتل للحريات ومصادرة للحقوق ، والمتدينون طوائف ، كل طائفة ترد على الأخرى وتجمع مثالبها وتذكر معايبها، والمثقفون يتراشقون بالتهم بين إسلامي وليبرالي وعلماني وحداثي ، والعوام مشغولون بمدح القبيلة وذكر مآثرها ومناقبها وأمجادها، التي ما صنعت طبشورة.ء

وبعض الرجال يرون أن المرأة أخذت أكثر من حقوقها وتعدت طورها وأجحفت بحق الرجل ، وبعض النساء يصرخن من ظلم الرجل وقهره وجفائه وقلة وفائه ، والأستاذ يرى في الطالب قلة الأدب وعدم المبالاة مع الإهمال ، والطالب يرى في الأستاذ الشراسة وضحالة المادة وقلة الأمانة ، فاصبح المجتمع يتراشق التهم والردود ، ومن يقرأ صحفنا يجد مئات الأعمدة كلها ردود وانتقام وقصاص، وبيانات متضاربة كل يكذب الآخر ويتهمه ويستعدي عليه .. مرة السلطة وأخرى المجتمع ، فإن لم ينفع دعا عليه ، فإن لم يجد توعده بنار جهنم وبئس المصير.ء

يا دعاة التطبيع مع القتلة من أحفاد بن جوريون وطلاب موشى ديان والأفاقين وشذاذ العالم ، دعونا من هذا التطبيع القبيح ، وتعالوا إلى التطبيع الجميل الراقي بين ابناء الأمة الواحدة ، تعالو نتسامح ونتصافح ونتناصح ويعفو بعضنا عن بعض ونتمثل قوله تعالى: (انما المؤمنون أخوة)ءأوقفوا بيانات التشنيع والتجريح ، أغلقوا محاكم التفتيش عبر الصحف ومواقع الانترنت، أغمدوا الألسنة الطويلة البذيئة عبر القنوات والمنابر الإعلامية ، تعلموا من ادب الوحي ، يقول تعالى :(وقل لعبادي يقولوا التي أحسن ) ، توبوا من الهمز والغمز واللمز ، لأن هذا شأن الخسيس الذليل التافه الحقير الساقط الارعن الجبان (ويل لكل همزة لمزة) نريد من العقلاء والعلماء والأسوياء أن يسمعونا كلمة طيبة وجملة مفيدة وعبارة حلوة مشرفة يقول صلى الله عليه وسلم : ( الكلمة الطيبة صدقة ) . قبل أن تتهمني حاورني ، وقبلما تحاكمني اسمع مني ، وقبلما تفضحني انصحني ، وقبلما تشنقني امنحني فرصة لأدافع عن نفسي ، لقد امطرنا صباح مساء بدعاة التطبيع مع إسرائيل لكنهم في المقابل يستحلون السخرية بإخوتهم والتهكم برسالتهم والاستهزاء بأمتهم حتى صدق عليهم قول الشاعر : ( أسد علي وفي الحروب نعامة ) ، نحن بأمس الحاجة إلى سلم إجتماعي ومصالحة وطنية شاملة تبدأ من رأس الهرم إلى الرجل البسيط ، بيننا فجوة اجتماعية ، عندنا قسوة في التعامل مع من خالفنا ،فبعض أهل العلم إذا أراد أن يرد على عالم خالفه شنع عليه وشهر به واستعدى عليه الناس ، فتجد عبارات : فاسق ، زنديق ، كافر ، ضال ، مبتدع ، وبعض المفكرين يثير قاموس الشتائم على من اعترض عليه ، فهو يصف خصومه من الدعاة بمتذمت ومتطرف وخارجي وإرهابي ومتعصب ، وبعض الفئات حجزت لأنفسها مقاعد في الجنة وأغلقت أبواب الجنة الثمانية عن الآخرين والويل لمن يطمع في الجنة بعد هذا .ء

بعد أن كنا خير أمة أخرجت للناس ، صرنا نتقاتل ونتهاجى ونتطاحن فيما بيننا ، فالعراقي يقتل العراقي والفلسطيني يذبح الفلسطيني ، والصومالي ينحر الصومالي ، والأفغاني يمزق الأفغاني ومن نجا من القتل ما سلم من السب والتخوين والسخرية ، إذا فنحن أحوج ما نكون إلى مد جسور الإخاء وتطبيع العلاقة ونزع فتيل العدواة واجتثاث شجرة الشر ونبذ الكراهية.ء


د.عائض القرني - نقلا عن الشرق الأوسط

!!! ثقافة للبيع

.
ثقـافيـــكيا ..!!!ء
.
منذ فترة زمنية كنت أتابع أحد البرامج التليفزيونية , وسألت المذيعة ضيفها (المثقف)ء قائلة : أنت زرت إسرائيل في السنة الأخيرة خمسة عشر مرة .. ما تعليقك ؟! فرد هذا ( المثقف )ء قائلا : أنا أزور إسرائيل بصفتي مثقفا !!! , و أذهب لأمثل مصر كلما وجدت مقعدها خاليا في أي مناسبة أو مؤتمر !!! , تأملوا .. خمسة عشر مرة في سنة واحدة ؟!!! لماذا ؟!!! , في حدود علمي – وأنا ولله الحمد لست مثقفا - أن الرواتب عادة تدفع شهريا , والسنة عند خلق الله جميعا اثنا عشر شهرا , ولكني قلت لنفسي : من يدري .. لعل السنة العبرية خمسة عشر شهرا !!!.ثم وجدتني بعد ذلك أقول : إن كانت الثقافة هكذا فلعن الله ثقف ويثقف ومثقف وثقافة وكل ما اشتق من مادة ثقف .ء
مسكينة والله هي الثقافة .. مسكين و الله هذا الوطن .. ومسكين والله هذا الشعب الطيب الصبور .. المُبتَلى على الدوام في نخبه ومثقفيه , فقد وصل بنا الحال لأن يدعي أحدهم أنه يذهب إلى إسرائيل بصفته مثقفا , بل ويعد ذلك عملا وطنيا !!!.ء
دفعني ذلك لوقفة مع ما يجري .. للتأمل في العلاقة بين نفر غير قليل من هؤلاء (المثقفين)ء و بين الأمة ... أين يقف هؤلاء من قضايا الأمة المصيرية ؟ ..أين يقفون من آلام الأمة وآمالها وطموحاتها ؟ .. أين يقفون من التحديات التي تواجهها ؟ أين يقفون من المكونات الأساسية لثقافتها ؟! .. فوجدت نفسي أمام حالة من التزوير والدجل والإرهاب الفكري في أوضح صورها يمارسها هؤلاء النفر بإسم الثقافة.ء
وجدت نفسي أمام حفنة من الناس إرتضوا لأنفسهم أن يكونوا مجرد سماسرة ومسوِّقين لثقافات غير ثقافتنا , أيا كانت هذه الثقافات و أيا كانت مشاربها , وجدت فريقا لتسويق ما يمكن أن نطلق عليه روبابيكيا فكرية وثقافية , وجدتني أمام جمع من العقول يولي وجهه شطر من يدفع , وماذا يريد أن يقول لنا هذا الذي سوف يدفع , وجدتني و قد أتى علينا حين من الدهر صارت فيه كلمة (مثقف) مرادفا لكل متنكر لثوابت الأمة و محاربا لها , وصار مثقفا كل من يحمل معولا يهدم به منظومة القيم التي ترسخت في وجداننا وتربينا عليها على مر العصور , وصار كذلك مثقفا من يطنطن ويصدع أدمغة الناس بكلام غير مفهوم , برغم أن مكونات كلامه هي أحرف العربية , وكلما زاد الغموض وزاد التنكر لثوابت الأمة وعقيدتها علت أسهم هذا (المثقف) وتفتحت أمامه المغاليق , و كثيرا ما سمعنا في شبابنا عن نظريات الإسقاط اللاعمودي على الأرض اللاإستوائية , و نظريات الزحف البروليتاري على أنقاض الطبقية البرجوازية العالمية ...!!! .ء
وما أكثر الذين ضلوا وأضلوا كثيرا من الناس بوعدهم بالفراديس فوق الأرض بدلا من الفراديس التي في السماء , وهكذا إستمر الحال طالما كانت أبواب الكرملين مفتوحة , فلما أفل ولى القوم وجههم وعقولهم وجيوبهم كذلك شطر الدولار والشيكل , وجدت من صدعوا أدمغتنا بمعاركهم الوهمية في مواجهة قوى الإمبريالية العالمية هم أنفسهم ... نفس الوجوه الكالحة ... هم من يحجون إلى البيت الأبيض ويرتمون في أحضان العم سام , واسألوا إن شئتم عن أبطال (السلام) في كوبنهاحن وتل أبيب.ء
لقد تعلمنا فيما تعلمناه أن الثقافة هي جملة الأفكار والقيم والمعتقدات والسلوكيات و أنماط الحياة التي تآلف عليها جماعة من الناس –أي جماعة- و ارتضوها فيما بينهم منهاجا لحياتهم وسمة مميزة لهم عن باقي المجتمعات , و عليه فإن مثقف هذه الجماعة هو من يعمل على ترسيخ هذه القيم والمفاهيم بين أبناء جماعته , وهو الذي يعمل دائما على الدفاع عنها ورفع لوائها , ذلك أن ثقافة هذه الجماعة هي هويتها وهي علامة وجودها , وأي محاولة للنيل من هذه الهوية هي محاولة للنيل من وجود الجماعة ككل , هذا المفهوم للثقافة ليس من عندياتي أو من بنات أفكاري , إنما حددته منظمة الثقافة والتربية والعلوم التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو) من خلال إعلان مكسيكو في 1982 {إن الثقافة بمعناها الواسع، يمكن أن ينظر إليها اليوم على أنها جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية بعينها وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات} .ء
إذا إنطلقنا من هذه القاعدة ..فبماذا نصف هؤلاء الذين نذروا أنفسهم لمحاربة كل مكونات ثقافتنا وحضارتنا .. ثم ينصبون أنفسهم مثقفين ومبدعين ؟!!. الحقيقة أنني كثيرا ما سألت نفسي : ما العلاقة بين الأدب وقلة الأدب ؟!!!.. ما العلاقة بين حرية الفكر وحرية الكفر بمقدسات الأمة والإعتداء عليها و إهانتها ؟!!! أي رابط هذا الذي يجمع بين الإبداع والتعري ؟!!! أين العبقرية الخلاقة في وقوف إمرأة عارية بصحبة شيطان رجيم أمام كاميرات السينما يعرضون فجورهم في أكبرسوق نخاسة عرفته البشرية ؟!!! .ء
أطال الله عمر أبي .. كان كلما رأى مني تصرفا معيبا يقول لي :-ء
صحيح ..
ء
اللي إختشوا ماتوا.....ء
واللي عالدنيا كالحين !!!.ء

فلسطين في الإعلام العربي

.

....................................................................


الإعلام العربي والخيانة العظمى

..........................................

في حياة الدول والشعوب لحظات فارقة فاصلة , تكون فيها المصائر على المحك , أو بتعبير أدق : تكون فيها الدول
والشعوب بين خيارين : تكون أو لا تكون , هذه اللحظات تفرض منهجا بعينه لا بديل له , وذلك إن أرادت هذه الدول والشعوب أن تكون , فلا بد من رقيها إلى مستوى التحديات التي تواجهها , ولابد من توجيه كل الطاقات والإمكانات لهدف واحد : ألا وهو مواجهة التحدي . ولعلي لا أبالغ إذا ادعيت أن من أعظم الأجهزة خطرا في مثل هذه اللحظات هو جهاز الإعلام , إن لم يكن أخطرها على الإطلاق .ء ء
منذ أيام جال بخاطري أن أتجول في فضائياتنا العربية بشيء من التدقيق والتفحص لأنظر كيف يفعلون , فهذه القنوات هي (المطبخ) الذي يتم فيه ومن خلاله تشكيل العقل والفكر والوجدان للغالبية العظمى من أبنائنا و بناتنا , شئنا ذلك أم أبيناه , و أصدقكم القول : أنني لم أكن أدرك حجم الكارثة التي نحياها ويحياها معنا أبناؤنا وبناتنا في البيوت . ولعل صرختي هذه لا تكون صيحة في واد أو ذرة في رماد كما يقولون , ولعلها تلقى آذانا صاغية وقلوبا واعية لدى المخلصين من أبناء هذه الأمة.ء
فلقد وجدتني حقا أمام جريمة بشعة بكل المقاييس , جريمة خيانة عظمى بكل أركانها و مقوماتها وملابساتها ... فإذا كان إخواننا في فلسطين يتعرضون لحرب إبادة من العدو الصهيوني الغاشم , فان حربهم هذه واضحة المعالم لا لبس فيها ولا غموض , فالعدو ظاهر معلوم , والهدف معلن وواضح , وساحة المعركة محددة . أما نحن فنتعرض كل يوم في بيوتنا لحرب إبادة ولكن من طرف خفي , الهدف المنشود فيها تدمير العقل والوعي العربي تدريجيا و ببطئ شديد - وهنا مكمن الخطر - و يتم ذلك من خلال منظومة شيطانية تعمل على تدجين المواطن العربي وترويضه على المدى البعيد والمتوسط , عبر مفاهيم و تصورات يتم تلقينها له تراكميا وبحسابات غاية في الدقة.ء
قد يرى البعض في هذا الطرح مبالغة وتضخيما لا مبرر لهما ولا دليل عليهما , وقد يرى آخرون أني أنظر إلى الحياة من خلال نظارة سوداء تصبغ بالسواد كل ما تراه , وأنا شخصيا أتمنى من كل قلبي أن أكون كذلك , ولكن الأماني والظنون لن تغير من الواقع الأليم شيئا.
ء
لهؤلاء الذين يرون في حديثي مبالغة وتضخيما أدعوهم لخوض هذه التجربة , فقد خضتها وكانت النتيجة مخيفة
و مرعبة : أحضر خريطة لبلاد الشام وارفع أسماء الدول منها , ثم أعطها لعدد ممن حولك , واطلب منهم أن يوقعوا اسم كل دولة في مكانها على الخريطة , ثم انظر كم نسبة الذين سيكتبون (إسرائيل) مكان فلسطين !!! ساعتئذ سوف ندرك حجم الكارثة , هناك الآن جيل ينشأ يُراد له أن تُمحي فلسطين من ذاكرته و ذلك بجعله لا يرى كلمة فلسطين على الخريطة , وفي نفس الوقت يرى مكانها وبدلا منها خريطة (إسرائيل) على شاشة الفضائية العربية !!! خلفية للمذيع العربي!!! , و هو يتحدث عن (إسرائيل) !!!.
ء
تكتمل الصورة وضوحا في أعقاب أي حدث ذي صلة بفلسطين الحبيبة , ففي نشرة الأخبار يطلع علينا المذيع قائلا : و معنا من غزة السيد فلان المتحدث الرسمي لحركة المقاومة الإسلامية حماس (مثلا) , وبعد انتهاء المسئول الفلسطيني يردف المذيع قائلا : ومن تل أبيب معنا السيد !!! فلان المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية , وبعد أن ينتهي هذا السيد من نفث سمومه في بيوتنا يعقب المذيع قائلا : كان معنا من تل أبيب السيد فلان المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية .... شكرا جزيلا لك . هنا لا يكفيني مداد البحر لكتابة علامات التعجب التي تقفز إلى ذهني من أثر هذا الموقف . ولقد صُدمت صدمة كبرى حينما سمعت من يقول تعليقا على ذلك : لابد من أن نستمع إلى الرأي والرأي الآخر!.أرأيتم حجم الجريمة التي ترتكبها هذه الفضائيات في حقنا ؟ كلام الفلسطيني و رد الإسرائيلي عليه صار رأيا ورأيا آخر ! . صار كلام الغاصب المعتدي المحتل وكلام الضحية سواء بسواء وصار سجالا بين طرفين بينهما خلاف .ء
ما يزيد الأمر كارثية : أن هذه السموم تُدس لنا ولأبنائنا وبناتنا في العسل المصفى , فهذه الرسائل تغزو عقولنا و عقول أبنائنا مغلفة بثوب المصداقية القشيب , هذه المصداقية التي اكتسبتها هذه القنوات لدى المواطن العربي في الآونة الأخيرة , وهنا أتوجه بالسؤال لرجال التربية وعلم النفس و الاجتماع : ما هو التأثير التراكمي لهذه النوعية من الرسائل على عقولنا وعقول أبنائنا ؟.ء
إن أخوف ما أخافه أن تنجح هذه الرسائل – على المدى البعيد - في كسر حاجز العداء بيننا وبين أعدائنا , وأن تجعلنا أكثر قبولا لوجوههم الكالحة , ومع مرور الزمن يصبح قبولنا لوجودهم بيننا أمر طبيعي لا غضاضة فيه , وأخشى ما أخشاه كذلك أن ننسى وينسى أبناؤنا معنا أنه ذات يوم كانت هنا بقعة اسمها ... فلسطين .ء
ألا هل بلغت ... اللهم فاشهد .ء

ذكريات وطنية !!! ...3

.


!!! حمبلوووظ

بدأنا نتأقلم مع الوضع و نوطن أنفسنا على الحياة الجديدة . كان الطعام المصروف لنا من إدارة السجن ( الجراية) لا يصلح حتى للحيوانات , في الصباح كان يأتينا الإفطار عبارة عن كتل من الجير المطفي يسمونها(خطئا) جبنا وفي اليوم التالي ما كان يسمونه عسلا أسودا ولم يكن فيه من العسل الأسود إلا حموضته و اليوم الثالث كان الإفطار عبارة عن سوس مفول كما كنا نسميه , ثم بعد ذلك حدث ولا حرج عما كان يأتينا في الغذاء , و أذكر أننا لما إنتقلنا لسجن أبي زعبل قام أحد الإخوان بعمل مسابقة بين أفراد الزنزانة لتسمية ما كان الحراس يوزعونه علينا في الغذاء وكان عبارة عن أقراص قطر الواحد منها حوالي سبعة سنتيمترات , وكان الإسم الفائز (حمبلوظ) وصار بعد ذلك هو الإسم الرسمي بيننا لما كان يسميه الحراس (كوسة)!!!.ء
العجيب أن أحدا منا لم يصب بسوء رغم ما كنا نأكله ... سبحان الله , و مع هذا السوء كانت الكميات قليلة جدا و أذكر اننا – ونحن ما زلنا حتى الآن في إستقبال طرة – كان معنا أخ فاضل يعمل أستاذا مساعدا في كلية العلوم أو الطب لا أذكر إسمه عاصم , وكان الدكتور عاصم هذا هو الذي يستلم الطعام لنا و كان بمجرد إستلامه للطعام يجمعنا ويضع يده على (الأروانة) و نضع يدنا على يده ثم نقرأ جميعا سورة ( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف......) السورة ثم نأكل ونحمد الله على ( النعمة ) ولا أذكر اننا قابلنا مشكلة في موضوع الطعام باستثناء مرتين أو ثلاث كان الأكل لا يكفينا , هذا برغم منع الزيارات عنا في هذا السجن فقد جلست فيه ما يقرب من الشهرين لم يزرنا فيه أحد , و هناك حادثة أهديها للباحثين عن أسباب تطرف الشباب في هذا البلد وقد عشتها بكامل تفاصيلها ... ذات يوم قطعت عنا المياه لمدة أربعة أيام , وكان يتم توزيع مياه الشرب علينا و أذكر أن نصيب الفرد في زنزانتي من المياه كان كوبا واحدا فقط في اليوم وكنا نحاول تدبير جزء من هذا الكوب بقدر الإمكان لكبار السن وفي اليوم الثالث لقطع المياه سمعنا طرقا شديدا على باب إحدى الزنازين وأحد المعتقلين يصرخ : عايزين ميااااااة وكان لديهم أحد المرضى المصابين بالكلى , إستمر الطرق فترة فرد عليه الضابط الموجود بعجرفة قائلا : برضه مش هاجيبلك !!! فرد عليه الأخ بقوة هزتنا جميعا من الأعماق : ربنا كبييييييير فرد عليه هذا المجرم بوقاحة : ماكانش جابك هنا يا .... وسبه بأفظع الشتائم وأترك التعليق للقاريء الكريم وللذين يتغنون بالإنتماء و الوطنية.ء
كانت التحقيقات – كما أسلفنا – تبدأ بعد صلاة العشاء , و ذات ليلة سمعت الصوت الجهوري الذي ينادي على المعتقلين ينادي : خالد حفني , فرددت : نعم لأنني معتاد على مناداة إسمي بهذا الشكل كثيرا نظرا لعدم انتشار اسم ( حفظي ) , أجابني المنادي : تحقيق , وهذا التحقيق كان بالنسبة للواحد منا يعني الدخول في جهنم , و بينما أهم بالخروج من الزنزانة مع الحارس .. جال في خاطري – من حلاوة الروح – أن أتأكد من الإسم فسألت الضابط : إنتو عايزين خالد حفظي ولا خالد حفني فرد : لا .. عايزين خالد علي حفني , فعدت أدراجي مرة أخرى , وبعد خروجنا من المعتقل كنت أتابع سير قضية تنظيم الجهاد على صفحات الجرائد فقرأت من الأحكام : خالد علي حفني - 6 سنوات – فقلت في نفسي : الحمد لله الذي عافانا من هذه العلقة.ء
كانت التحقيقات – رغم دمويتها و فظاعتها - لا تخلو من الطرائف التي كنا نتندر بها فنضحك حتى يعلو صوتنا بشكل كان يستفز الحراس و يكاد يصيبهم بالجنون وكثيرا ما نلنا السباب و الشتائم بسبب هذا الضحك , و كان الواحد منهم يرى ما يلحق بنا من سوء و تعذيب ثم يسمعنا نضحك فيسأل بغضب وحنق : بتضحكوا على إيه يا ولاد الـ.....ء

و نكمل الذكريات في لقاء قادم بإذن الله



وطــــــــــــــــني